محمد بن زكريا الرازي

133

الحاوي في الطب

فأما التغير إلى البرء أو إلى الموت - بعد أن لا يكون ضربة لكن قليلا قليلا - فلا يتبعه استفراغ ولا جهد ولا شدة ؛ وربما كانت الأشياء تنقلب بها حال المريض إلى الجودة البهية الكثيرة أو إلى الرداءة ، فذانك بحرانان تامان وهذان ناقصان ، إلا أن الذي تنقلب الحال فيهما إما إلى كمال الجودة وإما بعضها جيدا والآخر رديئا . وأما الذي يخرج إلى الموت أو إلى الصحة قليلا قليلا فلا أسميه بحرانا لكن أسمي الذي يؤول إلى الرداءة ذبولا . قال : وقد ينقلب المرض إلى الرداءة ، صنف آخر ، يكون من غير جهد شديد ولا استفراغ بيّن ولا خراج . لي : هذا هو الذي يسميه الذبول . لي : جملة هذا الكلام التغير إلى الجودة ثلاثة أصناف : إما ضربة ، وهو بحران كامل ؛ وإما شيء كامل ثم قليلا قليلا ، وهو بحران ناقص ؛ وإما قليلا قليلا ، وهو تحلل المرض . وكذلك التغير إلى الرداءة : إما ضربة ، وهو بحران كامل رديء ؛ وإما شيء بين ، وهو بحران رديء ناقص ؛ وإما قليلا قليلا ، وهو ذبول . قال : في الأمراض الرديئة ليس يجب ضرورة أن يأتي بحران جيد ولا رديء ، لأن المرض إذا غلب على الطبيعة غلبة شديدة لم ترم الطبيعة البتة مقاومته . لي : هذه هي العلة في أنه يكون موت فجيء بلا استفراغ ، لأن الاستفراغ إنما يكون إذا تجردت الطبيعة لدفع شيء عن البدن . قال : فلذلك لم يبرأ أحد قط من مرض واحد دفعة إلا ببحران ، وخلق كثير يموت دفعة بلا بحران وأكثر هؤلاء يموتون في أول نوائب الحمى ، لا سيما من كان سبب هلاكه كثرة المادة أو غلظها أو عظم ورم في باطن البدن ؛ وقد يموت قوم منهم في وقت انحطاط الحمى ، وإنما يعرض هذا لمن قوته ساقطة ؛ ولذلك تجد كثيرا من المرضى يموت في انحطاط المرض الجزئي - أعني في انحطاط النوائب . ومن هاهنا قد حسب قوم أنه قد يمكن أن يموت المريض في الانحطاط الكلي أيضا وليس كذلك ، لأن المرض لم يكن ينحط إلا بغلبة الطبيعة له ، وليس يمكن أن يأتي الموت حينئذ بوجه من الوجوه إلا بخطأ يقع ؛ وليس قصدنا النظر في الذي يقع فيه الخطأ . وما رأيت هذا قط كان ؛ وأما في الانحطاط الجزئي فقد رأيت خلقا كثيرا ماتوا . وذلك أن البدن يكون في الابتداء متماسكا كأنه منضم ، فإذا جاءه وقت الانحطاط تحركت الحرارة من الوسط إلى الأطراف على العادة واسترسل البدن واسترخى فانحلت القوة عند ذلك وفنيت ، ومن هؤلاء قوم يموتون بغتة حتى أنه يظن بهم من حضرهم إنما هو غشي . ومنهم من يبتدئ قليلا قليلا منذ أول النوبة ، وفي هذا الانحطاط يزداد النبض ضعفا